محمد الغزالي

201

فقه السيرة ( الغزالي )

فما راع عمر إلا بلال يؤذّن ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين أخبره بذلك : « قد سبقك بذلك الوحي » « 1 » . وهذا يدلّ على أنّ الوحي قد جاء بتقرير ما راه عبد اللّه بن زيد . هذه الكلمات الطيبة التي ترتفع بين الحين والحين تقرع الاذان ، وتوقظ القلوب ، وتصيح بالناس : هلمّوا إلى اللّه . . وعاها في رؤيا صالحة ذهن نيّر ، فأسرع بها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرويها كما ألقيت في روعه ؛ لتكون نداء المسلمين إلى الصلاة ما أقيمت على ظهر الأرض صلاة . وتجاوب النفوس مع الوحي هو غاية التألّق وقمة الحق ، وهو أمارة على أنّ الهدى أصبح غريزة فيها ، فهي تستقيم عليه في اليقظة والنوم ، وتتّجه إليه على البديهة وبعد التروي ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يربط أصحابه بالوحي النازل عليه من السماء ربطا موثقا ، يقرؤه عليهم ويقرؤونه عليه ؛ لتكون هذه المدارسة إشعارا بما على الصحاب من حقوق الدعوة وتبعات الرسالة فضلا عن ضرورة الفهم والتدبر ! ! . عن عبد اللّه بن مسعود ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اقرأ عليّ القران » ! ! فقلت : يا رسول اللّه ! أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ ! قال : « إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري » ! قال : فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ( 41 ) [ النساء ] ، قال : « حسبك الان » فالتفتّ إليه ، فإذا عيناه تذرفان « 2 » . . زاد في رواية : شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ . . . [ المائدة : 117 ] . وإذا كان الاهتداء إلى ألفاظ الأذان قد ترشّحت له سريرة مصفّاة ، مشغوفة بالعبادة ، مشغولة بالحق ، فإنّ من أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم كذلك من اندمجوا في معاني الإيمان ، وخلصوا لمعين الرسالة ؛ حتى إنّ اللّه أمر رسوله أن يقرأ عليهم بعض سور القران ، تنويها بمكانهم عند اللّه ، ورسوخهم في آياته .

--> ( 1 ) ذكر ابن هشام : 2 / 20 ، فقال : وذكر ابن جريج : قال لي عطاء : سمعت عبيد بن عمير الليثي . . . فذكره . وهذا - مع انقطاعه - مرسل . ( 2 ) أخرجه البخاري : 8 / 202 ، 9 / 77 - 80 ؛ ومسلم : 2 / 196 ، والزيادة له ، ونصّها : عن ابن مسعود ، قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « شهيدا عليهم ما دمت فيهم - أو ما كنت فيهم - » . ( شك من الراوي ) .